"من الصحراء إلى قمة الأبحاث العلمية: قصة نجاح الدكتور ناصر الأصلعي في مجال الغاز الطبيعي"

486 مشاهدة
2025 May

ناصر الأصلعي من حياة البادية القاسية إلى طريق العلم والتفوق

طفولة ناصر الأصلعي في الصحراء وكيف صنعت البادية شخصيته

في هذه الحلقة من برنامج «مخيال»، نتعرف على قصة د. ناصر الأصلعي، الباحث السعودي المتخصص في مجال الغاز الطبيعي، الذي بدأت رحلته بعيدًا تمامًا عن المختبرات والجامعات ومراكز البحث العلمي. فقد نشأ في بيئة بدوية في منطقة عسير، شمال مدينة أبها، وعاش سنوات طفولته الأولى وسط الجبال والأودية والخيام، في حياة اعتمدت على البساطة وقلة الإمكانات والارتباط المباشر بالطبيعة.

يروي الأصلعي في «مخيال» أن طفولته كانت مختلفة عن حياة كثير من أبناء جيله، إذ لم تكن مظاهر الحياة المدنية حاضرة حوله بالصورة المعتادة. وكان يقضي جزءًا من وقته في رعاية الأغنام، بينما كان عليه في الوقت نفسه الاستمرار في الدراسة والبحث عن وسيلة للوصول إلى المدرسة.

وتشير شهادته إلى أن الوصول إلى المدرسة كان يمثل تحديًا يوميًا حقيقيًا. فقد كانت المسافة بين مكان إقامته والمدرسة تصل إلى نحو 60 كيلومترًا ذهابًا وإيابًا، في وقت لم تكن فيه وسائل النقل متاحة بسهولة. ومع ذلك يقول إنه لم يكن يتغيب عن الدراسة، وإن أي تأخير كان يحدث بسبب عدم توفر وسيلة نقل، وهو ظرف كان معلموه يتفهمونه.

هذه التفاصيل تجعل قصة الأصلعي أكثر من مجرد قصة طالب متفوق؛ فهي تكشف عن العلاقة بين الظروف الصعبة وبين تكوين القدرة على التحمل والانضباط.

كان عليه أن يجمع بين الدراسة والمسؤوليات اليومية داخل حياة البادية. ففي أيام الدراسة يتجه إلى المدرسة، وفي الإجازات يعود إلى رعاية الأغنام ومساعدة أسرته. وهو نفسه يرى أن تعدد المهام في عمر مبكر ساعد على بناء شخصيته ومنحه قدرًا من الصلابة والقدرة على تحمل المسؤولية.

لكن الصحراء لم تكن بالنسبة إليه مجرد مكان مليء بالمشقة.

يذكر الأصلعي أن الهدوء الذي عاشه في البادية منحه مساحة كبيرة للتأمل والقراءة. وكان شديد الشغف بالكتب والمجلات والصحف، حتى إنه كان يعيد قراءة العدد نفسه أكثر من مرة عندما لا تتوفر أمامه مصادر أخرى للمعرفة.

كما كان يستغل الإجازات في الاطلاع على كتب العام الدراسي التالي والاستعداد للمناهج قبل بدء الدراسة.

هذا الميل المبكر إلى القراءة ساعده على توسيع اهتماماته، فلم تقتصر معرفته على المناهج المدرسية، بل امتدت إلى الشعر والنجوم والطبيعة والملاحظة المستمرة لما يحيط به.

وفي حديثه عن هذه المرحلة، يشير إلى أن تأمله الطويل في الجبال والصخور جعله يكتسب اهتمامًا مبكرًا بالطبيعة، حتى وإن لم يكن يعرف في طفولته أن هذا النوع من الفضول العلمي سيقوده في المستقبل إلى مسار أكاديمي وتقني مختلف.

وهنا تظهر إحدى الأفكار الأساسية في تجربة ناصر الأصلعي: الظروف الصعبة لا تخلق النجاح تلقائيًا، لكنها يمكن أن تصبح مدرسة لتعلم الانضباط عندما يقترن بها وجود هدف واضح واستمرار في التعلم.

دور والد ناصر الأصلعي في التعليم والتفوق حتى جامعة الملك فهد للبترول والمعادن

على الرغم من أن والد ناصر الأصلعي كان متمسكًا بحياة البادية، فإن التعليم كان بالنسبة إليه أمرًا لا يمكن التنازل عنه.

يروي الأصلعي أن والده كان يعمل كاتبًا في أحد المراكز التابعة لمنطقة عسير، وكان محبًا للقراءة وحريصًا بصورة شديدة على استمرار ابنه في الدراسة وتحقيق التفوق رغم صعوبة الحياة وظروف التنقل.

هذا الموقف كان له أثر مهم في تشكيل مستقبل الابن.

ففي البيئات التي تكون فيها المدرسة بعيدة والانتقال إليها مرهقًا، يصبح دعم الأسرة عاملًا أساسيًا في استمرار الطالب. ولم يقتصر دور الأب على السماح بالتعليم، بل ارتبط في رواية الأصلعي بفكرة أن التفوق الدراسي هو الطريق الذي يمكن أن يفتح أمامه حياة مختلفة.

وبالفعل استطاع ناصر الأصلعي الوصول إلى نهاية المرحلة الثانوية بمعدل 99%. وكانت هذه النتيجة نقطة التحول التي نقلته من حياة البادية إلى واحدة من أبرز الجامعات العلمية في السعودية، وهي جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران.

ويمثل الانتقال إلى الظهران فصلًا جديدًا تمامًا في حياته.

يروي الأصلعي أن رحلته إلى المنطقة الشرقية كانت أول تجربة له مع السفر بالطائرة. وقد ذكر في مقابلاته موقفًا طريفًا يعكس مدى اختلاف عالم المدينة عن البيئة التي اعتادها؛ إذ كانت الرحلة بالنسبة إليه مواجهة مباشرة مع أشياء وتجارب لم يعرفها من قبل.

عند وصوله إلى الجامعة لم يكن التحدي متعلقًا بالمناهج فقط، بل بالتكيف مع حياة حضرية وأكاديمية مختلفة جذريًا.

كان عليه أن ينتقل من مجتمع البادية إلى بيئة جامعية تضم طلابًا من مناطق متعددة، ومختبرات، ونظمًا تعليمية صارمة، ومواد علمية تحتاج إلى جهد متواصل.

وتشير تفاصيل الحلقة إلى أن الأصلعي كان قد اكتسب خلال المرحلة المدرسية أسلوبًا خاصًا في الدراسة يعتمد على التحضير المسبق والفهم والانضباط، وهو ما ساعده على الحفاظ على التفوق.

كما تتناول الحلقة قصة إعفائه من بعض إجراءات القبول المرتبطة بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وتغير تخصصه نتيجة الأنظمة الأكاديمية، وهي تفاصيل تعكس كيف يمكن للقرارات الصغيرة في بداية الدراسة الجامعية أن تغير المسار المهني للطالب بالكامل.

ومن هناك اتجه إلى الهندسة الكيميائية، وهو تخصص أصبح فيما بعد البوابة التي أدخلته إلى عالم النفط والغاز.

من أرامكو إلى الدكتوراه وأبحاث الغاز الطبيعي وبراءات الاختراع

رحلة ناصر الأصلعي مع أرامكو وماجستير كاوست والدخول إلى عالم الغاز الطبيعي

بعد التخرج من الجامعة، دخل ناصر الأصلعي مرحلة جديدة عندما انضم إلى شركة أرامكو السعودية.

ووفق روايته المنشورة من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، كانت الظروف المالية للأسرة من الأسباب المهمة التي دفعته إلى الدخول إلى سوق العمل بعد البكالوريوس، إذ أراد دعم والده وأسرته بدل الانتقال مباشرة إلى الدراسات العليا.

وهنا أصبح التعليم بالنسبة إليه مرتبطًا بالمسؤولية الأسرية أيضًا.

عمل في أرامكو واكتسب خبرة عملية، ثم أتيحت له لاحقًا فرصة استكمال الدراسات العليا في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية – كاوست.

في البداية لم يكن هدفه يتجاوز الحصول على درجة الماجستير ثم العودة إلى عمله.

لكن دخول مختبرات كاوست غيّر سقف طموحه.

فقد وجد نفسه داخل بيئة بحثية تحتوي على تجهيزات متقدمة وإمكانات علمية لم يسبق له التعامل معها بهذا المستوى. ويقول إن وجوده في هذه البيئة دفعه إلى إعادة النظر في أهدافه؛ فبدل أن يكتفي بالماجستير، بدأ يفكر في الاستمرار حتى الدكتوراه.

كان التحدي هذه المرة مختلفًا عن تحدي الوصول إلى المدرسة في الصحراء.

فهو الآن موظف ولديه أسرة ومسؤوليات، كما أنه ابتعد لعدة سنوات عن الدراسة الأكاديمية المكثفة. ولذلك أصبح عليه أن يحقق توازنًا بين العمل والأسرة والدراسة والبحث العلمي.

ومع ذلك استطاع تحقيق نتائج مرتفعة جذبت انتباه المشرف الأكاديمي وشجعته على مواصلة الدكتوراه.

تركزت أبحاثه في مجال الغاز الطبيعي، وهو من القطاعات المهمة في صناعة الطاقة، ويشمل البحث فيه موضوعات مثل معالجة الغاز وفصل مكوناته وتطوير طرق وتقنيات أكثر كفاءة للاستفادة منه.

وتصف كاوست الأصلعي بأنه أصبح من الطلاب المتميزين في تخصصه، كما ذكرت أن المشرف عليه وضعه ضمن أفضل 5% من الطلاب الذين تعامل معهم عالميًا، مقارنة بطلاب من جامعات من بينها ستانفورد وغيرها.

حصل الأصلعي على الدكتوراه من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية في ديسمبر 2017، ثم عاد إلى أرامكو وعمل مع إدارة البحوث والتطوير، حاملًا معه الخبرة الأكاديمية والبحثية التي اكتسبها خلال سنوات الدراسة.

براءات الاختراع والبحث العلمي والدروس المستفادة من قصة نجاح ناصر الأصلعي

لم تكن مرحلة الدكتوراه بالنسبة إلى ناصر الأصلعي مجرد الحصول على شهادة أكاديمية، بل أصبحت نقطة انطلاق لعمل بحثي أكثر عمقًا.

بحلول عام 2018، ذكرت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية أنه كان قد نشر نحو عشر أوراق بحثية بعد أكثر من أربعة أعوام من العمل الأكاديمي، وكان يعمل على أوراق بحثية إضافية. كما شارك في ثمانية مؤتمرات علمية، وكان متحدثًا رئيسيًا في ستة منها بحسب الجامعة.

وتكشف تجربة المؤتمرات عن مرحلة أخرى من تطور شخصيته.

فالطالب الذي بدأ حياته في بيئة صحراوية بعيدة عن المدن أصبح يقف أمام خبراء وباحثين دوليين ليعرض نتائج أبحاثه ويناقشها معهم.

ويذكر أن أحد أصعب المؤتمرات بالنسبة إليه كان مؤتمرًا في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة، حيث كان الطالب الوحيد المقبول في الجلسة التي شارك فيها. ومع تكرار التجربة أصبحت المؤتمرات بالنسبة إليه وسيلة لعرض الأبحاث والتواصل مع المتخصصين وبناء علاقات علمية جديدة.

كما دخل الأصلعي مرحلة براءات الاختراع خلال مسيرته البحثية.

وتشير كاوست إلى أنه عمل على براءة اختراع مسجلة في الولايات المتحدة، إلى جانب ابتكار آخر كان في مراحل التسجيل ضمن إطار معاهدة التعاون بشأن البراءات.

وتوضح هذه المرحلة الفرق بين الدراسة والبحث العلمي.

فالطالب في المراحل الأولى يتعلم المعرفة الموجودة بالفعل، بينما الباحث يحاول إضافة معرفة جديدة أو إيجاد حل لمشكلة لم تُحل بعد.

وهذا الانتقال من متلقٍ للعلم إلى باحث ينتج المعرفة يمثل أحد أبرز التحولات في قصة الأصلعي.

لكن النجاح العلمي لم يكن مسارًا مستقيمًا بلا أزمات.

ففي الحلقة يتحدث أيضًا عن واحدة من أصعب اللحظات في حياته عندما كان موجودًا في برشلونة عام 2017 للمشاركة في مؤتمر، وتلقى خبر وفاة والده في اليوم التالي لوصوله. وكانت هذه التجربة مؤلمة بشكل خاص لأن الأب كان أحد أهم الأشخاص الذين دعموا تعليمه منذ الطفولة.

وهنا تكتمل دائرة مهمة في قصته: الأب الذي كان يصر على أن يقطع ابنه عشرات الكيلومترات للوصول إلى المدرسة أصبح أحد الأسباب الأساسية التي دفعت الابن إلى الاستمرار حتى الدكتوراه والبحث العلمي.

وتقدم قصة ناصر الأصلعي عدة دروس يمكن الاستفادة منها في التعليم والحياة المهنية.

أولها أن المكان الذي يبدأ منه الإنسان لا يحدد بالضرورة المكان الذي يصل إليه.

فالانتقال من رعاية الأغنام وحياة البادية إلى مختبرات الغاز الطبيعي لم يحدث في خطوة واحدة، بل عبر مراحل متتالية من الدراسة والانضباط والتعلم.

والدرس الثاني هو أهمية الاستعداد المسبق. فقد كان الأصلعي يقرأ مناهج السنوات التالية في الإجازة، واستمر معه هذا الميل إلى التعلم حتى أصبح البحث والقراءة جزءًا من حياته المهنية.

أما الدرس الثالث فهو أن الطموح يمكن أن يتغير مع اتساع المعرفة.

فحين دخل كاوست كان يريد الماجستير فقط، لكن رؤية الإمكانات البحثية المتاحة جعلته يرفع سقف أهدافه إلى الدكتوراه والأبحاث وبراءات الاختراع.

كما توضح تجربته أهمية الربط بين التعليم والعمل التطبيقي؛ فالخبرة التي اكتسبها في أرامكو دعمت فهمه البحثي، بينما ساعدته الدراسة الأكاديمية على العودة إلى القطاع بطاقة علمية أكبر.

ومن خلال لقاء ناصر الأصلعي في برنامج مخيال تتحول قصته من حكاية فردية إلى نموذج يوضح كيف يمكن للتعليم المستمر ودعم الأسرة والانضباط والفضول العلمي أن تغير مسار الإنسان، من مدرسة بعيدة في قلب البادية إلى جامعة متقدمة ومختبرات بحثية تعمل في واحد من أهم مجالات الطاقة في العالم.

قد يعجيك أيضاً

عرض الكل

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

422418 مشاهدة
2022 Dec
لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

Podcast

7213 مشاهدة
2023 Mar
مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

Podcast

5248 مشاهدة
2023 Mar
كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

Podcast

14008 مشاهدة
2023 Sep
المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

الأكثر مشاهدة - Most Watched

11041 مشاهدة
2025 Jan
كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

22944 مشاهدة
2025 Jan